الاثنين، 9 فبراير 2026

خطوات كتابة نص درامي

 

العنوان: خطوات كتابة نص درامي

 

الخطوة الأولى: اختيار الانطلاقة الصحيحة وحل مشكلة تدفّق الأفكار

 

من الأخطاء الشائعة في عالم الكتابة الدرامية أننا نبدأ التفكير من خلال معطيات ضيّقة، ويكون تصورك الأولي لفكرة العمل كالتالي:

" شخص يسعى لحل مشكلة، ثم يتعرّض لعراقيل وقد ينجح أو يفشل"

 

فأنت حين تبدأ بالنظر إلى «الشخص» ستحاول تخيّل من هو الشخص، وما هي المشكلة، وأين يسكن، ولماذا بدأت المشكلة، وفي كل هذه الأسئلة ستجد أنك تفتعل صورًا من دون مبرّر طبيعي وانسيابي لهذا الاختيار.

 

بينما إذا كانت انطلاقتك كلّية، مثل أن تبدأ بالبحث في عالمٍ معيّن، ستجد أن هذه الخيارات أصبحت أكثر سلاسة ومنطقية.

 

الآن، وبدلًا من أن تنطلق في التفكير بالصور الجزئية مثل «وجود شخصية»، فكّر في صور كلّية على هيئة عوالم.

مثلًا: عالم التقنية، في هذا العالم ستجد عشرات العوالم الفرعية ، مثل عالم الشركات الناشئة، عالم الذكاء الاصطناعي، عالم العملات الرقمية، عالم الأمن السيبراني

 

في كل واحدة من هذه العوالم ستجد ما تبحث عنه: شخصيات، صراعات، نتائج، أماكن.

 

الخطوة الثانية: البحث

 

من المشكلات الأخرى في عالم الكتابة الدرامية وجود نمط من الكتّاب السطحيين، وسبب هذه السطحية يبدأ من ضعف الممارسة البحثية؛ فهو لا ينظر إلى الدراما بوصفها «ثقافة» تنعكس في صور، والصور تُحدث انفعالات لدى المتلقي، بل يفكّر في الصور وانفعالاتها فقط.

 

فممارسة البحث تحل مشكلة السطحية، كما تنهي مشكلة التدفّق الفكري.

 

والبحث يكون على مستويين:

1 - البحث الذي يحكم جميع العوالم

2 -  البحث الذي يحكم العالم الذي حدّدته بالفعل

 

1 - البحث الذي يحكم جميع العوالم:

 

وهو البحث عن الأسئلة التي ستراها في كل مسألة نظرية في حياتك:

 

أ- ما هي الحقيقة؟ كيف يمكن معرفتها والبحث عنها؟ وهل هي موجودة أصلًا؟ (الفلسفة وعلم المنطق)

ب- ما هو الخير؟ ماذا نعني بالأخلاق؟ هل الأخلاق موجودة ويمكن معرفتها؟ (علم الأخلاق)

ج- ما هي العدالة؟ ماذا نعني بالسياسة؟ هل العدالة موجودة فعلًا؟ (علم السياسة)

د- ما هو الجمال؟ ماذا نعني بالفنون؟ ما قيمتها في حياة الإنسان؟ (علم الجمال)

 

ملاحظات:

 

1- لاحظ أن أقدم كتاب في التنظير للدراما هو كتاب فن الشعر لأرسطو، وأرسطو نفسه كتب في كل هذه المسائل، لكنهم اليوم يقدّمون الكتاب معزولًا عن بقية كتبه. كما أن الانفصال بالعناوين لا يعني بالضرورة الانفصال بالعلاقات؛ فالعلاقة بين علم الأخلاق والفن علاقة ضرورية، لأن كليهما ينتميان إلى عنوان جامع هو "الفعل الإنساني"

 

لاحظ أن بعض الأسئلة التي لم تُحسم إلى اليوم، من قبيل: هل غاية الفن هي الترفيه أم شيء آخر؟ تتفرّع من حسم المسائل المسبقة.

 

2 -لاحظ أن ضعفك في هذه المسائل يجعل بحثك مضطربًا، لأن ما يُسمّى اليوم بـ«العلم» هو صياغة مبنية على مقدمات فلسفية؛ فبعض الاتجاهات ترى أن الظن هو العلم، وبعض الاتجاهات ترى أن اليقين مسألة خاصة بالأمور المادية فقط. ومن السطحية أن تتعامل مع أي شيء اسمه «علم» دون أن تعرف منشأه ومدى سلامة مقدماته.

 

3 - لاحظ أنك لو كنت تعرّف السعادة بأنها تحقيق أقصى قدر من اللذّة، سيكون تفسيرك لأي قصة فيها خسارة مختلفًا عمّن يرى أن السعادة هي تحقيق الكمالات.

 

كما أن كتب تعليم الكتابة الدرامية تقترح أن يبدأ الإنسان بالتفكير: ماذا تريد أن تقول من العمل؟ لكنها لا تخبرك كيف تميّز أن ما تريد قوله صحيح من الأساس أم لا.

 

2 - البحث في العالم نفسه:

 

بعد تحديد العالم:

أ- ما هي المراجع الأساسية في هذا العالم؟

ب- هل يوجد من يُحسن إجراء مقابلات معه؟

ج- هل توجد أماكن يمكن زيارتها ستعطيني معلومات عن هذا العالم؟ مثل المتاحف أو الأماكن الرئيسية فيه؟

 

تذكّر أن جودة بحثك خطوة أساسية في التفاضل بين الأعمال. ألا ترى كيف أن عملين يُكتبان عن العالم نفسه يكون أحدهما باهتًا والآخر زاهيًا؟ وذلك بما يشعر به الناس من خلال جودة الحوارات وصدق القضايا، وهذا يعود إلى البحث. لذلك يبقى بعض الكتّاب سنوات طويلة وهم يجرون أبحاثًا قبل كتابة أعمالهم.

 

قم بتدوين أي شيء تراه جميلًا، حتى وإن كان لا يرتبط بعملك، فقد تحتاجه لعمل آخر. أذكر أنني كنت أبحث عن الاختراعات في العالم الإسلامي، ثم وجدت أن ابن الهيثم لم يكن مخترعًا فقط كما يُصوَّر، بل هو صاحب مشروع فلسفي كانت أبحاثه التجريبية خطوة في هذا المسار.

 

زوايا النظر الفنية في العالم:

 

قد يكون الأسهل لدى الكاتب هو النظر إلى مناطق الصراع والكوارث في هذا العالم، لكن هناك حالات أخرى للجمال قد تكون ملهمة، مثل الجمال الحسّي، والنفسي، والعقلي، والثقافي، ويمكن رؤية أمثلتها في هذه المقالة(واجبات الفنان الجمالية)

 

الخطوة الثالثة: نواة القصة

 

سيكون لديك ثلاث معارف وجدتها في العالم الذي بحثت عنه، وهي التي ستعطيك المكوّنات الأساسية للقصة: المقدّمة، والوسط، والنهاية.

 

والمعارف هي:

 

1 - معرفة القناعات :

 

من المشكلات التي لا يزال الفن يعاني منها مشكلة القيمة، وهي تدور حول فائدة الفن في حياة البشر. ويبدو أن هذه المشكلة نشأت بسبب الأعمال التي تركّز على الجانب الفني فقط، بالإضافة إلى دور الكثير من المدارس الفلسفية في تبرير أصالة الشكل ونسبية القيم.

 

وما سأقوله الآن لا يحل مشكلة القيمة فقط، بل يحل مشكلة البدء في معرفة قصتك.

 

وهو أن الدراما هي الحقل العملي لتوضيح مصير القناعات، وهي بذلك وسيلة من وسائل علم الأخلاق.

 

فعلم الأخلاق يبحث عن ماهية السعادة الإنسانية ويستخدم في ذلك أدوات منطقية،

أما الدراما فهي اختبار عملي لهذه القناعات من حيث النظر إلى نتائجها.

وبذلك تكون من حيث الغاية وسيلة أخلاقية، ومن حيث الطابع والأسلوب وسيلة فنية.

 

فمن حيث كونها أخلاقية تنتهي الإشكالات عن قيمة الفن،

ومن حيث كونها فنية نعلم أنه لا يصح استخدامها كأداة وعظ مباشر، لأن ذلك فيه هدر لطبيعتها الفنية.

 

لذلك يمكن النظر إلى الأخلاق كغاية للدراما، والنظر إلى الوسائل الفنية كشرط جوهري لتحقيق هذه الغاية.

 

أمثلة على القناعات المولّدة للأفعال والنتائج:

 

الذي يقبل الاحتلال سيكون ذليلًا (عالم تاريخ وسياسة)

 

التقنية لا تحل مشكلة الفقد (عالم تقنية)

 

هذه القناعات تتضمّن مصيرًا، والمصير أما أن يكون حزيناً أو مفرحاً
والوصول لهذا المصير لا يكون إلا من خلال الأفعال

لهذا عرفت الدراما بأنها محاكاة للأفعال ، أو بشكل أدق هي محاكاة لباطن الأفعال


ولهذه المعرفة الانفعالية بالمصير حزناً كان أو فرحاً فائدة منهجية

 

فلو أنك شعرت مع قناعة من قبيل القناعة الأولى: كيف يقبل الإنسان على نفسه أن يُحتل؟ فهنا سيكون عملك كوميديًا.

وفي في القناعة الثانية  قد تشعر بأن المسألة حزينة: أن يصل الإنسان إلى درجة يتوهّم فيها أن التقنية تحل مسألة الموت، فهنا سيكون عملك تراجيديًا.

 

فسيكون لديك الهيكل الأولي لبناء قصتك من حيث المرجحات والصفات  :
فمثلاً لو اخترت التراجيديا ستكون اختياراتك كالتالي :

منها معرفة صفات الشخصية : ستكون الشخصية خيَّرة، لأن ذلك يؤثّر أكثر في مشاعر الأسى حين تقع نهايتها
.
نهاية العمل : مثل أنه سيموت غدراً فهذ أشد حزناً من أن يموت بمواجهة مكشوفة

وبما أن القناعات تتضمن مصير معين ، فهي نمط من أنماط التحولات من شيء إلى آخر
وهذا التحول لا يأتي إلا بسبب ، يحدث صراعا عند صاعة القناعة وتؤثر في تحولاتها

لذلك يكون لدى الشخصيات قوى تقف ضده

فحينئذٍ ينبغي اختيار عدو رئيسي للشخصية وفي الحالة التراجيدية يمكن القول بأن العدو هو ابنه فهذا أشد للحزن من لو كان العدو زميله في العمل

ومن المهم هنا الانتباه أن الكثير من الأعمال الدرامية قد تسقط فنياً في هذا القسم

فقد يكون هذا الصراع بطيئاً لا تتخذ فيه أي شخصية قرارات تحرك الأحداث ، فتكون الشخصية الرئيسية دوماُ في حالة حيرة وتردد وانتظار ما يحدث له



وقد يكون سريعاً جداً من دون تمهيد جيد

والصراع الجيد هو الصراع المتصاعد :
ويمكن هنا كترتيب للأفكار أن تكتب الأحداث كعناوين عامة بشكل تصاعد منطقي ، أي ماذا يمكن أن تفعل الشخصية من الأسهل حتى الوصول لأسوء شيء
مثلا لو افترضنا ان القصة حول الخلافات الزوجية
1 – خلاف يحدث بين الزوج والزوجة
2 -  الزوجة تقرر اهانة الزوج
3 – الزوج يقرر في اليوم التالي التحدث مع محامي عبر الهاتف لإيهام الزوجة بأنه سيقوم بإجراءات الطلاق
4 – تنفجر الزوجة غضبا وتقرر ترك المنزل
ستجد أن اسوء شيء سيقع هو الطلاق
وأن كل مشهد رئيسي يمكن تفصيله لمشاهد أصغر

ملاحظة : لا يشترط أن تبدأ القصة حسب التسلسل المنطقي ربما تبأ من رقم 5 أي ان الزوج يذهب لبيت زوجته كي تعود للمنزل وأثناء الحوار يتبين ما جرى سابقاً


وبما صار لدينا هذه المكونات للعمل :
القناعة ومصيرها
المشاعر العامة للقناعة
هيكل اولي لأقسام العمل : يتضمن
 مقدمة ( التعريف بالقناعة وصاحبها )
وسط ( بداية تحول لمصير القناعة )
 نهاية ( مصير القناعة )

والعلاقة بين هذه الأقسام هي علاقات سببية يمهد كل قسم فيها للآخر ، يجمعها احساس عام لمصير القناعة
لذلك يقال في شروط الدراما أنها تبنى على السببية

 

مثال تطبيقي :

الذي يقبل الاحتلال سيكون ذليلًا.

 

ستكون أسئلة: من هي الشخصية؟ وزمانها؟ ومكانها؟ مأخوذة من ضمن العالم، ومن المرجّح أن تكون ذات منصب رفيع في بلدها، فقوة المناصب تعطي قوة للأفعال

 

فسنكون بعدها أمام مجموعة أسئلة:

 

لماذا تتبنّى هذه الشخصية هذه القناعة؟

(الخوف على ابنه، صدمات الطفولة، خيبة أمل … إلخ)

 

أ- تتحوّل القناعة إلى مجموعة أفعال:

بداية ظهور قناعته بقبول الاحتلال ؟ ( نهاية حرب ينتصر فيها الدولة المحتلة ضد دولة حليفة )
ماذا سيفعل صاحب القناعة ؟( يعطي الأموال للدولة المحتلة لكسب ودهم لكن بلده ستكون بحالة فقر)

من سيكون ضد الملك ( ابنه – الشعب – زوجته الخ )

 

ب- يتحوّل الفعل إلى اتجاه آخر:

(الأموال بدل أن تحميه تفتح شهية دول أخرى، وتحرّض الشعب عليه بعد تآكل سمعته)

 

ج- ما هو مصير الشخصية؟

(يثور عليه الشعب في مشهد مذل، وابنه لا يحميه)

 

 

الخطوة الرابعة: اكتب!

 

قد تشعر بأنك متوتّر ولا تريد الكتابة،

أو أن أفكارك ليست كاملة إلى الآن.

الحل الوحيد هو أن تبدأ بالكتابة ، فهي تساعد على تدفق الأفكار ومعرفة أين نواقص قصتك

 

الخطوة الخامسة: الاحتياط

 

قم بإنشاء ملفات احتياطية لكتاباتك.

 

الخطوة السادسة: راجع

 

أ- راجع الأدوات الفنية:

فليكن لديك نموذج إرشادي تجمع فيه الأدوات الفنية، بغرض ألا تغفل عنها.



مثلا في الحوار:
ما الفرق بين الأسلوب المباشر والأسلوب الفني؟
هل أسلوب الحوارات كلها متشابه أم تعبر عن شخصياتها ؟

مثلا في أنواع الأعمال الأدبية :
مثلا في أعمال البوليسية يتم وضع البطل تحت ضغط الوقت المتنازل

مثلا في مسألة الأحداث :
هل الشخصية الرئيسية تحرك الاحداث أم أن الأحداث تقع عليه ؟
هذا السؤال على سبيل المثال يكشف لماذا يوجد بطئ بالأحداث
هل التمهيدات جيدة ؟
لاحظ أن جميع هذه الأسئلة متفرعة عن النظر للسببية وحالاتها وموانعها

هل ترتيب الأحداث ترتيب منطقي فقط أم يمكن ترتيبه بطريقة فنية ؟
فمثلا بعض الأعمال تبدأ من المشهد النهائي

في مسألة الشخصيات :
هل عدو الشخصية الأساسية تم بنائه بشكل جيد أم سطحي من حيث الدوافع؟
هل يوجد تنوع بين الشخصيات أم كلها متشابة ؟


في الأعمال المفضلة لديك :

لماذا تعجبك كتابات كاتب معيّن؟ وما ملامح طريقته؟

ب- راجع المسودة:

 من الوارد أنك وقعت في أخطاء أثناء الكتابة، مثل الأسماء، التواريخ، الأماكن، أو حذفت شيئًا بالخطأ.
أو وجود حشو في الأحداث والحوارات والشخصيات
هل كل مشهد من الأحداث يتضمن حالة عاطفية ما؟ معلومة مهمة ؟ صراع ظاهر أو خفي ؟
هل توجد عبارات ركيكة في العمل ؟  

 

المراجعة المستمرة تفيدك في حل هذه المشكلات.

 

انتهى

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق